ابن الذهبي
158
كتاب الماء
وقال شيخنا العلّامة : إنّ البَوْل فَضْلَة جميع ما يقوم به البَدَن ، وخُروجها سائلة من الإحليل والفَرْج بمجرَى خاصّ في المرأة مُشْتَرِك مع مَجْرَى المنىّ في الذَّكر ، وهي المذكورة في تشريح القَضيب . والبَول مُشْتَمِل على جُزأين ، أحدهما المائيّة ، وثانيهما : الرّسوب . ووجه الاستدلال على ذلك أنّ الغذاء بواسطة ما يُشرب يصير كَيلوساً 269 لا يَنفذ في المجارى الضَّيِّقة إلّا بواسطةٍ . والأخلاط إذا تَوَلَّدَت في الكبد مَيَّزَت الطّبيعةُ هنها المائيّةَ ، وإذا تميّزت فمنها ما يندفع في عِرْقِ نازل إلى الكِليتَين ، ثمّ منها إلى المثانَة . ومنها ما يَصْحَب الدَّم للنُّفوذ 270 لا للتّغذية ، فيندفع في العُروق إلى باقي الأعضاء ، ثم يرجع منها إلى المثانة . والذي يدلّ على ذلك أن المختضِب بالحنّاء ينصبغ بولُه ، وأنّ مَن كَثُر عَرَقُه قَلَّ بَوْلُه ، بالعكس . ولذلك استُدِلَّ به على أحوال الأعضاء المخالِطة لها . والبَول هو مائيّة الطّعام والشّراب . وفيه ثلاثة أجناس مع أربعة أعراض . فالأجناس : الغِلَظ والرِّقَّة والتَّوَسُّط . والأعراض : الحُمرة والصُّفرة والسَّواد والبياض . فحُمرته دالّة على غَلَبة الدّم ، وصُفرته على الصّفراء ، وسواده على السّوداء 271 ، وبياضُه على البَلْغَم . وقال شيخنا العلّامة : إعْلَم أنّ البَول كلّما قَرّبْتَه مِنك ازْداد غِلَظاً ، وكُلَّما بَعّدته ازداد صَفاء . وبهذا يُفارق سائر القَشّ 272 ممّا يُعْرَض على الأطبّاء للامتحان . البَول الذي يُسْتَدَلَّ به يجب أنْ يكون أوّل بَولٍ أصْبح عليه ، ولم يُدافَع به إلى زمان طويل ، وبُيِّت من اللّيل ، ولم يكن صاحبه تناول صابغا من مأكول أو مشروب ، كالزعفران فانّه يَصبغه إلى الصُّفْرة ، وكالبُقول فانّها تصبغه إلى الخُضرة ، ولا لاقت بشرتُه صابِغا كالحنّاء ، ولا يكون تناول ما يُدِرّ خِلْطا ، ولم يكن تعاطَى ما يُغَيِّره كالصَّوم والسَّهَر والتَّعَب والغَضَب والقَىء والاسْتفراغ .